اخبار ذات صلة

السبت، 10 ديسمبر 2022

زيارة شي جين بينغ الميمونة للمنطقة وثلاث قمم صينية سعودية وخليجية وعربية...

 

زيارة شي جين بينغ الميمونة للمنطقة وثلاث قمم صينية سعودية وخليجية وعربية...

    

     تأتي زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ إلى السعودية وعقد ثلاث قمم مع قادة السعودية وقادة الخليج وقادة الدول العربية كزيارة تعتبر لكل المنطقة العربية الملتهبة بالأحداث المأساوية المفتعلة وبأوضاع إقتصادية ومالية سيئة نتيجة لتلك الأحداث المفتعلة عبر سنوات مضت من خلال التدخلات والمؤامرات الصهيوغربية على الدول العربية والمنطقة برمتها والتي أدت إلى ما آلت إليه تلك الدول العربية والمنطقة برمتها إلى واقع عربي سيئ شحن بالخلافات والفتن الدينية والطائفية والقومية والتهجير والقتل والعصابات الداعشية والحروب الأهلية وحروب بالوكالة ما زالت تعاني من آثارها شعوبنا لغاية هذه الأيام، وبالرغم من ذلك الواقع المؤلم والحزين إلا أن زيارة الرئيس الصيني الحليف والصديق لمنطقتنا شي جين بينغ للمنطقة تعد بكل المقاييس علامة خير وأمل وفرج لشعوب منطقتنا كافة وبالذات الدول التي عانت شعوبها الأمرين من المؤامرات الصهيوغربية في العشرية السنوية الماضية...


     وهي زيارة ميمونة للسعودية ولقاءات صينية سعودية وخليجية وعربية مبشرة لما هو آت في الأشهر والسنوات القادمة لحل كل هذه المشاكل والأزمات وإنهاء الحروب والفتن والعودة إلى وحدة الصف والكلمة متناسين لكل المأسي والأحزان التي جرت في منطقتنا لإعادة الإعمار والبناء والتنمية بكل مجالاتها السياسية والمالية والإقتصادية وحتى الإجتماعية والثقافية...وغيرها من الأمور التي تهم المواطن العربي وتشغل تفكيره في منطقتنا وفي حياته اليومية واللحظية من متطلبات مالية...وغيرها،  وأيضا كانت لتلك الزيارة أهمية لتمتين العلاقات العربية العربية وحل كل ما يؤثر على تلك العلاقات من مشاكل بالحلول السلمية التي تعيد لتلك الدول موقعها في محيطها العربي والإسلامي والدولي إلى أن نصل بإذن الله تعالى إلى الوحدة العربية والإسلامية المنشودة وبكل المجالات...


     وما تحدث به الرئيس الصيني شي جين بينغ والقادة العرب المجتمعين في القمم الثلاث يؤكد ذلك بل ويدعم حل الأزمات وتلطيف الأجواء وتحسين الأوضاع بين الدول العربية وأيضا بين السعودية وإيران كدولة إسلامية جارة ولها موقعها في المنطقة، وهذه هي المبادئ والقيم التي تنادي بها الصين لتنفيذ رؤيتها الإقتصادية والتجارية بين الدول من خلال إحياء طريق الحرير الذي يؤمن لكل الدول التعاون والشراكة ودوام التنمية بكل مجالاتها ومعاملة الدول العربية كدول لها أهميتها الكبرى في المنطقة والعالم دون أن تكون تابعة للدول المهيمنة الصهيوأمريكية معاملة الند بالند والإحترام المتبادل والتعاون والشراكة الحقيقية بين الدول لتسفيد دولنا والإنسانية جمعاء من تلك المشاريع الكبرى والتي لم ولن تنجح إذا لم يتم تكاتف جهود دول المنطقة والدول العالمية  ومنها الصين وروسيا....


    فاهلا وسهلا بالزيارة المباركة التي نرجوا أن تظهر نتائجها مباشرة وسريعا لتعزيز الإخاء والتعاون والتفاهم والمنفعة المتبادلة ومد الجسور أكثر ما بين الصين الشعبية والدول العربية، لتهيئة الأجواء الصافية والسبل الصحيحة والطرق المعبدة أمام الرؤيا الصينية العربية المشتركة لإتمام كل المشاريع التنموية الكبيرة للمنطقة العربية برمتها، ومنها بالذات مشروع الحزام وطريق الحرير المتجدد، ليبنى على أرضية صلبة خالية من أية حوادث أو أزمات مفتعلة ونزاعات عميقة ومفتعلة من قبل الصهيوغربيين، لا تأتي للدول والشعوب والقادة والجيوش والإنسانية جمعاء إلا بالدمار والخراب وإبادة الحياة البشرية على وجه هذه الأرض المباركة...


   لذلك إنطلقت رؤية الصين الشعبية لدول وشعوب منطقتنا والعالم بأننا يجب أن نعيش لنعمر ونبني ونتعاون ونتفاهم ونتبادل الخبرات والكفاءات ونقيم المشاريع التنموية المشتركة وفقا لمبدأ المنفعة المتبادلة بين الدول والشعوب، وبذلك تنمو دولنا كافة وتزدهر وتتقدم ويصبح وضعها الإقتصادي والمالي في إرتفاع دائم، وتعيش شعوبنا أفراد وأمم ودول بكل آمان وأمن وإطمئنان على حاضرهم ومستقبلهم وحتى مستقبل أولادهم وأحفادهم، وهذه رسالة الله لخلقه بعمارة الأرض والحفاظ على الإنسانية الربانية كما أراد الله لها دون أن تتعرض لأية خدوش وتهميش وإختراق شيطاني من هنا وهناك...


   والصين والدول العربية والإسلامية بشكل عام تتمتع بروابط تاريخية قديمة جدا ومعروفة عبر التاريخ الإنساني وهي مستمرة إلى يومنا الحالي وستبقى وتتعزز بإذن الله تعالى في الحاضر والمستقبل، وعبر التاريخ تأسست تلك العلاقات على الإحترام والتعارف والتعاون والتفاهم المتبادل والمنفعة المشتركة وفي كل المجالات التي تحتاجها حياة الإنسان الصيني والعربي...


    وزيارة الرئيس الصيني شي إلى السعودية ولقائاته مع قادة الخليج وقادة الدول العربية بشكل عام هي زيارة مباركة ومبشرة بالخير لإنهاء كل الأزمات والحروب في المنطقة والصلح والتفاهم بين المحاور المتنازعة للتدخلات والضغوطات الصهيوغربية بالدبلوماسية والحوار، وهي زيارة تأتي كقوة دفع لتنمية العلاقات التجارية والإقتصادية والسياسية والثقافية والشعبية..وغيرها والتي من خلالها تم توقيع عدة إتفاقيات بعيدة المدى ومذكرات تفاهم وتعاون وتبادل وترابط حول الإنتاج العالمي والنفط والغاز والطاقة والمعلومات والإتصالات والجمارك والتبادل الثقافي والمعرفي...وغيرها من مجالات التعاون الدولي...


    والصين تعلم جيدا بأن الدول العربية ومنطقتها لها تاريخ عريق وحضارة لها آلاف السنين تماما كحضارة الصين العظيمة، لذلك وعبر التاريخ كانت العلاقات مستمرة بين الصين ودول المنطقة واليوم تعزز هذه العلاقات المهمة كشركاء مهمين لتعزيز وتنفيذ مبادرة الحزام وطريق الحرير الصينية العربية والإسلامية، لذا فإن تبادل وجهات النظر بين الرئيس الصيني شي وبين زعماء دول المنطقة مستمرة ودائمة رغم كل الظروف للحفاظ على السلام الإقليمي ونزع فتيل الحروب والأزمات المفتعلة صهيوغربيا والتي وضعت الحواجز والعراقيل والمعوقات التي وقفت في طريق التعاون والتبادل والمنفعة المشتركة بين الصين ودول المنطقة وبين الشرق والغرب وبين الصين وبالذات التعاون الإقتصادي والثقافي...


    وجاءت هذه الزيارة لتعزيز التعاون لبناء الحزام وطريق الحرير بالتعاون المتجدد والمستمر بين الصين ودول المنطقة، والعمل على خلق ظروف مواتية لتحقيق الأمن والآمان والإستقرار الدائم للمنطقة والعالم، مما يزيد من فرص الإستثمارات وتبادلها وبشكل أكبر من السابق، نرجوا كل الخير والتوفيق لهذه الزيارة الميمونة لتوثيق عرى الإخوة والتعاون والتبادل والمنفعة المتبادلة والمحبة بين الصين ودول المنطقة، لذلك على قادة دول المنطقة أن ترفض كل ضغوطات الصهيوغربيين مهما كان حجمها وأن يستخدموا أوراق القوة لديهم ورقة ورقة وأن يتم إنهاء كل الأزمات والخلافات والحروب المفتعلة سريعا، وأن تتابع باب المصالحات والحوارات والمفاوضات الأخوية الصحيحة والصادقة التي تؤدي للمصالحات وتحمي المنطقة من أية تدخلات ومؤامرات صهيوغربية وبذلك ستنهض الأمة وتتوحد وتعيد موقعها في كل المتغيرات الدولية القادمة رغما عن أنوف كل دول الصهيوغربيين...


أحمد إبراهيم أحمد ابو السباع القيسي...

كاتب ومحلل سياسي...

الجمعة، 9 ديسمبر 2022

ما بعد اتفاق السودان بقلم عبدالحليم قنديل

 


    هل يكون توقيع الاتفاق الإطارى الأخير خاتمة لعذاب السودان ؟ ، ثمة آمال عريضة فى أن يكون الأمر كذلك ، خصوصا عند الذين تصوروا ، أن محنة السودان محصورة فى نزاع بين مدنيين وعسكريين ، الأخيرون من جهتهم ، سواء فى القيادة العامة للقوات المسلحة برئاسة الجنرال "عبدالفتاح البرهان" ، أو فى "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان "دقلو" ، كانوا الأكثر حماسا لتوقيع الاتفاق الإطارى ، الذى يخرج العسكريين بالجملة من المشهد السياسى ، ويسعى لتشكيل حكومة مدنية كاملة ، تؤول إليها إدارة مرحلة انتقالية على مدى سنتين مضافتين ، تزيد بهما سنوات المراحل الانتقالية إلى ست سنوات ، وتمهد لإجراء انتخابات عامة ، ربما فى أواسط عام 2025 . 

  ومع ما أثاره توقيع الاتفاق من ظواهر تفاؤل ، وتأييد إقليمى ودولى واسع ، سواء من بعثة الأمم المتحدة ، أو من الرباعية الدولية المعنية (أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات) ، أو من دوائر الاتحاد الأفريقى ، إضافة للسياسة المصرية التى سارعت بالترحيب كالعادة ، وكلها قوى دفع معاونة لانقاذ السودان ، لكن المهمة بالطبع تظل بيد أهلها السودانيين ، وبالذات فى يد المدنيين والقوى الموصوفة بالمدنية ، وأغلبها للأسف على أحوال انشقاق لا تنتهى ، ومعها شوارع الخرطوم ، التى لاتهدأ مظاهراتها واحتجاجاتها ، على وقع أحوال اقتصادية واجتماعية فادحة التدهور ، وتكاثر مجازر الدم ، ليس بسبب المواجهات والمظاهرات وحدها ، بل لأسباب صدام قبلى وعرقى ، فى "دارفور" غرب السودان ، وفى مناطق "النيل الأزرق" بالوسط ، وفى الشرق المهمش المقصى عن قسمة الثروة والسلطة منذ إعلان الاستقلال السودانى ، وكلها أزمات معقدة ، أرخت ظلالها على حدث توقيع الاتفاق الإطارى ، المفترض توسيع دائرة النقاش والاتفاق حوله فى الأسابيع المقبلة ، كما يقول موقعو الاتفاق من المدنيين ، وهم أطياف متنوعة ، تجتمع بالأساس حول "حزب الأمة القومى" ، الجماعة الأكبر بين انشقاقات "حزب الأمة" التاريخى الطائفى العتيد ، ويقودها أبناء الراحل "الصادق المهدى" ، وقد كان رئيس الوزراء المنتخب الذى انقلب عليه عسكر حسن البشير ، وبتدبير من جماعة "الإخوانى" الراحل "حسن الترابى" ، وظل الانقلاب "الإسلامى" فى الحكم لثلاثين سنة ، خسر فيها السودان ثلث أراضيه بانفصال واستقلال دولة "جنوب السودان" ، وكادت تنفصل منطقة "دارفور" فى الغرب ، ومساحتها أكبر من مساحة فرنسا ، ومع جماعة "حزب الأمة القومى" ، وقعت على الاتفاق الإطارى مجموعات متعددة ، منضوية حتى اليوم فيما يسمى "المجلس المركزى" لتحالف الحرية والتغيير وخارجه ، كأحزاب "المؤتمر السودانى" و"التجمع الاتحادى" و"المؤتمر الشعبى" (جماعة الترابى) و"الحزب الاتحادى" (جماعة حسن الميرغنى) وبعض "أنصار السنة" و"التحالف الوطنى السودانى" و"الجبهة الثورية" (جناح الهادى إدريس) وجناح من "حزب البعث" و"تجمع المهنيين" (ب) وغيرها ، فى حين قاطعت الاتفاق جماعات حزبية مدنية وجهوية متناقضة ، أبرزها بحسب موقع صحيفة "الراكوبة" السودانية ، الشق الآخر من تحالف الحرية والتغيير ، المعروف باسم "الكتلة الديمقراطية" بقيادة منى أركو ميناوى وجبريل إبراهيم و"تجمع المهنيين" (أ) و"الحزب الاتحادى الأصل" بقيادة جعفر الميرغنى ورئيس تنسيقيات شرق السودان الناظر ترك ، و"نداء أهل السودان" و"التيار الإسلامى العريض" و"الحزب الشيوعى" ، و"البعث العربى الإشتراكى" ولجان المقاومة بالخرطوم ، وقوى "الحراك الوطنى" بقيادة التيجانى السيسى ، وفرق منشقة عن "حزب الأمة" وغيرها كثير ، والمقاطعون كما هو ظاهر ، من اليمين ومن اليسار ، ومن الراغبين فى تغيير راديكالي عنيف ، ومن مجموعات أقرب ولاء لنظام البشير المخلوع ، إضافة بالطبع لجماعات مسلحة فى دارفور والجنوب ، أظهرها جماعة "الحركة الشعبية لتحرير السودان" بزعامة عبد العزيز الحلو ، و"حركة تحرير السودان" بقيادة عبد الواحد نور ، وقد عارض "الحلو" و"نور" كل مسار انتقال السودان ، ورفضوا الانضمام لوثائقه ، من أول "الوثيقة الدستورية" أغسطس 2019 ، إلى "اتفاق جوبا" للسلام أكتوبر 2020 ، والاتفاق الإطارى الأخير طبعا ، وهكذا يبدو المشهد السودانى ناطقا طافحا بتناقضاته ، وحدة الصراع بين الأطراف الموصوفة بالمدنية أو بحمل السلاح ، وربما يفسر ذلك بعضا من سلوك الجنرال "البرهان" قائد الجيش ورئيس المجلس السيادى الانتقالى حتى إشعار آخر ، فقد أطاح الرجل بحكومة المدنى "عبد الله حمدوك" فى أكتوبر 2021 ، ثم عاد لاتفاق تعاون قصير الأمد معه ، وإلى أن استقال "حمدوك" تحت ضغط غضب الشارع ، الذى اتهمه بممالأة "انقلاب البرهان" ، ثم تفاقمت وتناسلت انشقاقات كتلة الحرية والتغيير التى قادت الثورة ، ولجأت بعض أطرافها إلى مساندة الجيش وقيادة "البرهان" ، الذى بدا على قدر ملحوظ من المهارة السياسية ، وأعرب قبل شهور عن رغبته فى إخراج الجيش من المشهد السياسى ، ودعا الأطراف المدنية لاتفاق فيما بينها ، كان يعرف مدى صعوبته وربما استحالته ، وهو ما تكشف بالفعل مع الخلاف الساخن الراهن بعد توقيع الاتفاق الإطارى ، الذى يخرج "البرهان" نفسه من رئاسة السلطة ، ويحصر وجود قادة الجيش فى "مجلس الأمن والدفاع" برئاسة رئيس الوزراء المدنى المفترض ، وينص فى الوقت نفسه على تنقية الجيش من أى وجود سياسى حزبى ، فى إشارة إلى حق قيادة الجيش فى مطاردة والتخلص من أى مجموعات انقلابية ، وكأن "البرهان" حرص على كسب الاستقلال بالجيش مقابل خروجه من دوامات السياسة ، التى لا يرجح أن تتفق أطرافها المدنية على شئ جوهرى ، خصوصا حين تتطور العملية إلى اختيار اسم لرئيس الوزراء المدنى القادم ، بافتراض نجاح مشاورات لاحقة لتوقيع الاتفاق الإطارى ، وانضمام معظم المقاطعين حاليا إليه ، وإجراء تعديلات عليه ، تمهد لدستور انتقالى ، لا تبدو معضلاته قابلة لتوافق جامع ، وفى نصوص حاكمة ، من نوع نص اتفاق الإطار على وقوف الدولة على مسافة واحدة من الأديان كلها ، أو فى ترجمة نص الاتفاق على كون السودان "دولة مدنية فيدرالية" ، أو فى قضايا تظل معلقة ، كمسائل العدالة الانتقالية وإصلاح قطاع الأمن وغيرها ، إضافة لاحتمالات تفجر حوادث صدام دموى ، باتت مألوفة متواترة ، وكل ذلك قد يطيل فترة ما قبل الوصول لاتفاق نهائى أكثر شمولا ، ويستبقى وضع السلطة الحالى لوقت غير معلوم ، يبدى فيه الجنرال "البرهان" ضجره من خلافات السياسيين المدنيين ، ويوالى نداءاته لهم بتسريع مناقشات التوافق ، ويستعجل إجماعهم لنقل كراسى الحكم إلى سلطة مدنية كاملة ، وهكذا يبدو "البرهان" فى صورة المتجرد النزيه الساعى لمصلحة السودان وأهله ، بينما تبدو القوى المدنية "متشاكسة" إلى ما لا نهاية ، مع ضيق الناس من تمديد زمن الفترة الانتقالية ، وتفضيل معظم الأطراف المدنية الموافقة والمقاطعة ، أن لا تجرى الانتخابات العامة سريعا ، وتفقدها النفوذ المفترض فى الوضع القائم الرجراج . 

  والمعروف أن السودان الشقيق منذ إعلان استقلاله فى أول يناير 1956 ، عانى من دورات حكم خبيثة متكررة بين مدنيين وعسكريين ، بين ديكتاتورية عسكربة ، تسبقها وتعقبها أخرى مدنية ، وقد حكم العسكر فى أغلب الفترات ، ولعبت الأحزاب المدنية دورا ملموسا فى الدفع إلى انقلابات العسكريين ، على طريقة دعم "حزب الأمة" لانقلاب الجنرال عبود ، ودعم الحزب الشيوعى والناصريين لانقلاب النميرى ، ودعم "الجبهة القومية الإسلامية" لانقلاب البشير ، ومن دون أن تحقق فترات الحكم العسكرى ولا الحكم المدنى تطورا ظاهرا ، فأصل محنة السودان فيما نظن ، هو الضعف البادى لجهاز الدولة فى الجيش والخدمة المدنية ، وتواضع مقدرته على دمج ومزج التنوع فى السودان ، وإدارة موارده الطبيعية العظيمة الثراء ، وحفظ الحد المطلوب من تماسك الوطن الواسع الجغرافيا ، برغم الحيوية السياسية الفياضة للسودانيين عموما ، ولنخبهم المثقفة الجريئة ، وهو ما لا تبدو عوائده كافية لصناعة سودان جديد موحد ، حتى مع التقدم المحرز فى تقويض ثقافة الانقلابات العسكرية ، وفسح المجال لقيام حكومة مدنية خالصة ، فالعلل المعيقة لا تزال منظورة ، فى مشهد التفتت السياسى وانشقاقات الأحزاب التاريخية التقليدية ، وقد نهضت طويلا على قاعدة التوزع الطائفى بين "المهدية" و"الختمية" ، وبين حزبى "الأمة" و"الاتحادى"  ، برغم جهود التحديث فى "حزب الأمة" وقت قيادة الصادق المهدى ، وتشظى "الحزب الاتحادى" المتفلت من سيطرة عائلة الإمام "الميرغنى" ، وتفرق أهواء أفراد العائلة ذاتها، ولا يبدو الحال أفضل كثيرا فى الأحزاب الحديثة ، خصوصا مع سيطرة نزعة دينية تقليدية على الكثير من جماعاتها ، قد لا تفيد كثيرا فى ضمان وحدة السودان ، بقدر ما تضاعف من تمزقه ، وعلى نحو ما إنتهت إليه تجربة حكم "البشير" و"الترابى" ، وهو ما قد يعاود ظهوره من وراء ستار الحكم المدنى ، ويدخل البلد من جديد فى دوائر زمن مفرغة ، جاءت على حساب وحدة السودان وتنميته وتطوره ، ودفعته إلى احترابات مهلكة ، ندعو الله أن ينجى السودان والسودانيين من شررها وشرورها .

Kandel2002@hotmail.com

اجمل ما قيل في عشق الجنوب بقلم معمر الضالعي

 



كتب ..   سها البغدادي 


تحليل ادبي وفلسفي لقصيدة ( حماك الله يا قمرُ) للمهندس معمر صالح الضالعي . والتي بعد قرائتها عدة مرات تجلت بها معاني العشق والحب الأزلي للجنوب ، ذلك الوطن الذي تزحف لاجله قوافل التحرير والنضال ، فترتقي شهدائها الى السماء و ثخن جراحها وتضرب و تتعرض للخيانة ، تلك القوافل تزحف على اثرها التتر ، وهو وصف لاعداء الجنوب بالهمجية وعمليات الإبادة التي يتعرض لها شعب الجنوب على اياديهم ، فيجد المهندس نفسة معتذراً نيابة عن تلك القوافل ليقول  لا تلومنا ايها الوطن الحبيب عن تأخرنا في الوصل اليك واستعادة حرية وكرامة الجنوب.


لنقف دقيقة مع هذه الابيات :

——

ما تدرين  يا حسناء ، كم تاهتْ قوافلنا ... 

وكم ضُللنا  في سفرٍ ... بمن خانوا ومن  غدروا...  


أما تدرين كم أُثخنّا ، كم أُعرجنا .... وكم أسرت قوافلنا....

وكم  ضُربت  قوافلنا ...  

بمن لم يكتبوا سفْراً .....

و من لم يقرعوا وترُ. 

———-

في القصيدة تتجلى ملهمة المهندس ، الامرأة الجميلة فيجد نفسة يتحدث عن عشق وحب لتلك الملهمة وذلك الوطن الذي صوره في دجى عيناها ، و انسياب شعر الضوء على فستانها النضرُ.

عندما تقرأ الابيات الأولى فانك تجد بكل بساطة كلمات توصف امرأة رائعة الجمال وبحب لا يوصف كتبت الابيات الأولى:


رحلت مواريا عني دجى عينيك يا قمر ُ.

وشعر الضوء منسابُ على فستانك النضرُ.

وفي أعماقك الالماس والياقوت ... والدررُ.


قمة الروعة في ذلك الوصف التي انطلقت به القصيدة ، وبروعة المرأة الجميلة التي كانت ملهمة المهندس في هذه القصيدة والذي قد نعرفها او لا نعرفها ولكن ملهمة استحقت ان توضع في أوصافها الوطن ، فلابد انها قد استحقت ذلك ، وهنا يتجلى تقدير المهندس معمر و رفعه  للمرأة ومكانتها ، حتى أصبحت رمز للوطن وحبه وعشقه.


في القصيدة يتحدث الى تلك الجميلة والى الوطن ، الجميلة التي أشاحت وجهها عنه عتباً عن تأخره في الوصول ، فيطلب منها ان تلتفت اليه ليشرح تلك الأسباب وما الذي واجه هو وتلك القوافل  في تلك الاسفار في الطريق اليها ، وهو بذلك يشرح كل ما تعرضت له قوافل النضال في مسيرتها نحو تحرير واستعادة دولة الجنوب ، فيجد نفسه مقصراً ومعتذراً لذلك الوطن الحبيب ،  و يطلب الصفح .

ولكي نترك المزيد من التأمل للجميع في هذه القصيدة  الذي نجد له حب وعشق لامرأة استحقت ان تكون الملهمة لحب الوطن الذي تحدث الشاعر عن قوافله التي تستمر في السير للوصول الى الحرية والكرامة مهما كانت العوائق . فنجد أنفسنا مع قصيدة تروي قصتين بمنتهى الجمال ،

الوطن الرائع ، وتلك الرائعة التي استحقت ان يوصف بها الوطن .


سأترككم الان مع القصيدة لمزيداً من التأمل بقصيدة استحقت ان تكون اجمل ما قيل في عشق الجنوب.


حماك الله يا قمرُ.

————————

المهندس /  معمر صالح الضالعي.

———————— 


رحلت موارياً عني دجى عينيك يا قمرُ.

وشعر الضوء منسابُ على فستانك العطرُ .

وفي أعماقك الياقوت والالماس .... والدررُ



وحين رجعت يا حسناء لم ألقى سوى حجر ... وفي أعماقهِ حجرُ.


أديري وجهك نحوي ...

لأنظر في دجا عيناك ..... يأقمرُ


اديري وجهك نحوي ...

لأعرف كيف ابدو  الان في عينيك .... يا قمرُ.


أديري وجهك نحوي...

فهذا القب من سهميك .... يا عيناي يحتضرُ...


انا بشرُ... انا بشرُ ..... انا بشرُ.  


انا بشرُ ، يعيش بقلبه يا نبض قلبي ، الكون و البشرُ.


انا بشرٌ  ... وفي قلبي تمرُ الف قافلة ...

 تحث خطاها في سفرِ ... ودونه ... دونه سفرُ. 


اديري وجهك نحوي ...

لتصمت في فمي الكلمات ملىء الصمت من صمت...


و ما في الصمت من أخبار يملئ صمتها الخبرُ.....


اديري وجهكِ نحوي .... لأفراح حين ألقى النور ...

 

وأن كنت قضيت الليل في سهرٍ ، يطوف حوله سهرُ وفي أعماقه سهرُ.


حماك اللهُ .... يا قمر ُ

 

أديري  وجهك نحوي ...

بلا لومٍِ ولا عتبٍ .....

فما حملتُ من حملٍ ينوء بألفِ قافلةٍ ...

يحث خطاهُ ... في أعقابها التترُ. 


أما تدرين  يا حسناء ، كم تاهتْ قوافلنا ... 

وكم ضُللنا  في سفرٍ ... بمن خانوا ومن  غدروا...  


أما تدوين كم أُثخنّا ، كم أُعرجنا .... وكم أسرت قوافلنا....

وكم  ضُربت  قوافلنا ...  

بمن لم يكتبوا سفْراً .....

و من لم يقرعوا وترُ. 


فرفقاً فينا أنت الرفق يا قمرُ.


وان ضاقت بك أعذاري...

حتى غدت لك الأعذار من أعذاري تعتدرُ.


فأنتي في الوطن وطني

وانتي الزاد والسفرُ.....


وانتي الجنة الأولى ...

وانتي النور والنظر ُ. 

ولو خُيرتُ اين تكون  جناتي .... 

حين تبدل لأكوان والأزمان ..

ويختفي فيهما الأثرُ.


لقلت في دجى  عيناك ...

يا عيناي .... يا قمرُ


لقلت فيك .... منك ، إليك بين  جمالك النظِرُ. 


لقلت في ذراعيك وبين يديك ....  يا قمر 


فداك القلبُ ، نبض القلب.

...

حماك الله .... يا قمرُ.

الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

كأس "المونديال" لفلسطين بقلم عبدالحليم قنديل

 


    لست كرويا للأسف ، ولا رياضيا بعامة ، ربما باستثناء عادة "المشى" اليومى الإجبارى أحيانا ، ولم أشاهد مباراة واحدة فى "مونديال" قطر المتوالية مفاجآته ، وإن تابعت بشغف مشاعر المشجعين المتوافدين كالطوفان ، ولحظت بسعادة غامرة ردود أفعال المشجعين العرب بالذات ، ولفتتنى بشدة مشاعرهم القومية العربية الجارفة ، وابتعادهم عن التحيزات القطرية الضيقة ، ونصرتهم الحماسية لكل فريق عربى يحقق إنجازا كرويا ، على نحو ما حدث مع الفريق السعودى "الأخضر" ، الذى هزم منتخب الأرجنتين "فريق اللاعب الأسطورى ليونيل ميسى" ، ومع فوز المنتخب المغربى "أسود الأطلس" على فريق بلجيكا ، كذا مع مشاعر الحزن الصادق الجامع ، كلما تعثر منتخب لبلد عربى ، وصادفه سوء الحظ أو عدم التوفيق ، ومع انفجار خزان المشاعر المكبوتة ، بدت كلمة الجمهور العربى من كل الأقطار حاسمة فى مظهرها كما جوهرها ، وكاشفة لحقيقة أننا أمة واحدة من الخليج إلى المحيط ، وإن فصلت أقطارها حواجز الجغرافيا وتصرفات الحكام ، وهو ما بدا طاغيا مع قضية فلسطين وحقوق شعبها ، فقد كانت أكثر الغائبين حضورا فى "مونديال" قطر ، فليس لها منتخب كروى مشارك ، لكنها بدت من أول لحظة مشاعر فى المهرجان الكروى العالمى الفريد ، وكأنها المرشح المختار بدون أدوار تصفيات ، وكأنما صعدت إلى الدور النهائى من أول ضربة ، وفازت بكأس العالم ، وباجتماع المشاعر العربية المتدفقة من حول منصة التتويج الفلسطينى .

  وكان من الطبيعى المتوقع جدا عند العاقلين ، أن تنعقد فى شوارع "الدوحة" وجوارها ، قمة عربية شعبية من طراز نادر ، قوامها عشرات آلاف المشجعين القادمين مع منتخباتهم المشاركة ، إضافة لمئات آلاف العرب العاملين فى قطر ، وكانت نقطة الاجتماع الوحيدة على جدول الأعمال ، هى فلسطين وحلمها وهمها وقداسة قضيتها ، ومن هنا ، كان ظهور الأعلام الفلسطينية بكثافة غير مسبوقة ، واعتمار الكل للكوفية الفلسطينية ، وتزيين المعاصم والأيادى بشعارات نصرة فلسطين ، ثم كانت المعركة السلمية الواسعة ، التى وجدت ضالتها فى حضور مفروض لصحفيين ومشجعين ووسائل إعلام "إسرائيلية" ، قد تكون جاءت بدعوات مفتوحة لحضور "المونديال" ، وتساوقا رسميا مع اعتبارات "الفيفا" الدولية ، لكنها فوجئت بما لم تحسب حسابه ، وواجهت الرفض الشعبى العربى الحازم الجازم لأى تطبيع فعلى أو رمزى أو سلوكى مع مستوطنى كيان الاحتلال الإسرائيلى ، فلم يحظ أى مراسل "إسرائيلى" بلقاء أو تجاوب من أى مواطن عربى ، لا من الأقطار التى طبع حكامها مع العدو ، ولا من الأقطار التى ينتظر حكامها اللحاق بقطار التطبيع وخيانة التزامات القضية الفلسطينية ، وهكذا توالت المشاهد التى تخلع القلب فرحا ، وتصدم العدو كمدا ، وانتشرت "فيديوهات" الفخار العربى على وسائط التواصل الاجتماعى ، وقد كانت من أسعد حظوظ من هم مثلى من غير مشجعى كرة القدم ، ومن المشجعين المتحمسين قبلنا ، فقد كانت هى المباريات الأعظم إثارة ، استمات المراسلون "الإسرائيليون" فى البحث عن أى مشجع عربى يقبل الحديث معهم ، وكان الجواب التلقائى واحدا بغير سابق اتفاق ، بل ربما باتفاق ضمنى غلاب ، فما إن يلحظ المشجعون العرب شارة "إسرائيلية" أو "عبرية" على ميكروفون ، حتى يكون العزوف ورفض الحديث ، أو رفع علم فلسطين إغاظة للمراسل "الإسرائيلى" ، أو المسارعة بالمغادرة على طريقة فرار السليم من الأجرب ، أو الهتاف "تحيا فلسطين" باللغة العربية أو بالإنجليزية ، ثم يتصاعد الرفض إلى ذراه مع وقاحة وتبجح المراسلين "الإسرائيليين" ، وإعلانهم الجهير عن هويتهم الصهيونية ، فيكون التجاهل العربى الشعبى هو الرد الفورى ، وإشهار عدم الاعتراف بأى شرعية لوجود هذه "الإسرائيل" ، وتأكيد حقيقة الوجود الفلسطينى دون سواه على الأرض المقدسة المحتلة ، فيحتد صراخ المراسلين "الإسرائيليين" ، ويلوكون أوهامهم ، ومزاعمهم الزاعقة بأن "إسرائيل" موجودة إلى يوم القيامة (!) ، ولا يلقى الصراخ "الإسرائيلى" سوى وابل السخريات من المشجعين العرب ، والإعراض عن مصافحة أو مشافهة أى "إسرائيلى" ، وبصورة حطمت أعصاب المراسلين "الإسرائيليين" ، ودفعت بعضهم إلى التخفى خلف جنسيات أخرى ، كذلك الصحفى "الإسرائيلى" الذى زعم أنه من "الإكوادور" ، وفضحه مشجع مصرى مثقف من "لوجو" قناته التليفزيونية المكتوب بالعبرية ، وعاجله بشعار "تحيا فلسطين" ، ليس عن وهم بل عن حلم ، وثقة مطلقة بنصر الله القادم لعباده الصابرين المجاهدين ، وبأن فلسطين كانت وتكون وستكون ، مهما طالت أزمنة المعاناة والقتل والطرد ، فالفلسطينيون باقون كما بساتين الزعتر وأشجار الزيتون ، وسوف ينتصرون بإذنه تعالى ، وتتحرر فلسطين من احتلال الصهاينة ، تماما كما تحررت بعد احتلال الصليبيين "الفرنجة" لمئات السنين ، ومن هنا بالضبط ، كان اجتماع المشجعين العرب على الاتحاد الجامع فى غناء الأناشيد والأهازيج الفلسطينية ، والفرح المتحمس مع نشيد المشجعين المغاربة بعد فوزهم الكروى المثير على "بلجيكا" الموالية لكيان الاحتلال الإسرائيلى ، جاءت كلمات النشيد بريئة صافية ،  تقول مقاطعها المنغمة نطقا "الحبيبة  يا فلسطين / آه أين العرب النائمين / آه يازينة البلدان / قاومى ربى يحميك / من ظلم الإخوة الأعداء / واليهود الطامعين فيك / ما نتركك ياغزة / رغم بعدك عنى / يارفح ورام الله / أمتنا مريضة / أمرضوها بالمشاكل وفساد الحكومات / والعربى يعيش فى الويل / مستقبل كله ظلمات / (....) / لا نركع أبدا إلا لرب العالمين / مولانا صاحب الكون / والحرية لفلسطين / إن شاء الله فى القدس الفرحة تكون " ، بدت كلمات النشيد كالنشيج ، وبدت مؤلفة عفويا وفوريا وجماعيا فى بساطة ظاهرة ، تشكو من الوجع بمرارة ، وتثق بانتصار فلسطين وتحرير القدس الأسيرة ، ومهما كانت الظروف الصعبة والعوائق المرئية المحسوسة .

  وبالجملة ، بدا "المونديال" العربى فلسطينى الهوى والهوية ، ومنافسا قويا لمهرجان "المونديال" الكروى الدولى ، وفى تعبير غاية فى التحضر والرقى ، لا يصح اتهامه بعنف ، أو بالعداء للسامية ولا العداء لليهود ، فالعرب فى جلهم "ساميون" حسب الروايات العرقية ، ولا يكره أغلب العرب اليهود كيهود دينا ، وقد عاشوا لمئات السنين فى بلاد وحمى العرب المسلمين والمسيحيين ، ولا يعادى العرب والفلسطينيون سوى المحتلين الغزاة المغتصبين لديارهم ، وأيا ما كانت الدعاوى والأساطير الدينية المزعومة ، فما بين العرب و"الإسرائيليين" الصهاينة ليس نزاعا فى الأديان السماوية ، ولا قضية ثأر دينى من أى نوع ، والظاهرة الصهيونية استعمارية إحلالية استيطانية ، وقضية فلسطين هى التحرير الوطنى ، وردع العدوان والاغتصاب ، ودحر العنصرية الصهيونية المدمرة للأوطان وجلال الأديان ، ومن هنا ، كانت السخرية واجبة من الاحتجاج الإسرائيلى الرسمى الموجه لدولة قطر ومنظمة "الفيفا" ، والزاعم الشاكى مما أسماه "التمييز العنصرى" ضد الإسرائيليين ، فلم يتعرض مشجع عربى للإسرائيليين بالتحرش البدنى أو اللفظى على أى صورة ، بل بالتجاهل التام ، ومن التجاهل ما قتل ، ثم برفض مصافحة يد الدم الصهيونية ، ورفض التعامل مع المحتلين العنصريين العدوانيين ، ورفض استضافة "الإسرائيليين" فى "تاكسى" أو فى مطعم ، وتأكيد المقاطعة السلمية للعدوان المتوحش حتى ينتهى ، وإظهار حقيقة رفض "التطبيع" عند القواعد الشعبية العربية بأغلبيتها الساحقة ، وهو ما يظهر الوضع "المعلق" لأغلب نظم الحكم العربية ، وانفصالها الكلى عن مشاعر ومواقف شعوب الأمة العربية ، ويكشف السبب الحقيقى لفزع وذعر "الإسرائيليين"بعد "مونديال" فلسطين فى قطر، فقد استعان ساسة كيان الاحتلال على الحكام العرب بالضغط الأمريكى الداهس ، ودفعوا كثيرا منهم إلى اتفاقات "تطبيع" مع عدو الأمة ، وتصورالإسرائيليون أنهم فازوا فى غزوات التطبيع بالجملة ، وحققوا الفتح المبين ، وأنهم أزالوا جدران المقاطعة بضربة حظ "ترامبى" مع الاتفاقات "الإبراهيمية" بالذات ، وخلا لهم وجه شعوب العرب ، يمتزجون بها ، ويتبادلون الصلوات والقبلات والسهرات والفسحات ، وعلى نحو ما أوحت لهم أصوات العبيد والشواذ وحملات الذباب الإلكترونى مدفوع الأجرالمريب ، ودفعت بهم لحزم حقائب الذهاب إلى "الدوحة" ، اغتناما لفرصة عناق حار توهموه بين مهرجان كروى و"كرنفالات" سلام دافئ تصوروها ، ثم كانت صدمتهم المهلكة نفسيا ، حين فوجئوا بالحقيقة العربية القارة الصلبة ، وبأن اتفاقاتهم مع الحكام ، لا تعدو أن تكون دخانا مسموما يطير فى الهواء ، وتذروه رياح الشعوب كالهشيم ، وتثبت الحقيقة الكبرى الظاهرة لكل ذى عينين وسمع بصير ، وهى أن "التطبيع" امتداد مباشر للاغتصاب الإسرائيلى ، وعار وإثم لكل من يقترف جريمته ، وأن قضية التحرير الفلسطينى لا تسكن فى الماضى ، ولن تدفن أبدا ، وأن مشاعر ومواقف الأجيال العربية الطالعة مع فلسطين برغم كوارث ونكبات تجريف الوعى ، تماما كما الأجيال الفلسطينية الجديدة المقاومة ببسالة مذهلة ، تعيد النجوم لمداراتها الأصلية ، وتكسب المستقبل لفلسطين ، التى كسبت كأس المشاعر الفياضة فى "مونديال" قطر .

Kandel2002@hotmail.com

التطبيع داخل أروقة الجامعات المصرية !!!


ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التطبيع مع العدو الصهيوني, وبالطبع لن تكون الأخيرة مادامت هناك أصوات شعبية لازالت تبحث لنفسها عن دور داخل المشهد - أي مشهد – ليسلط عليها الضوء – أي ضوء – وبالطبع فعل التطبيع مع العدو الصهيوني فعلا موصوما اجتماعيا داخل المجتمع المصري, فعلى الرغم من مرور 43 عام على اتفاقية السلام المزعومة بين مصر الرسمية والعدو الصهيوني فإن مصر الشعبية لم تعترف بهذا السلام المزعوم ولازالت تعتبر العدو الصهيوني هو عدوها الأول, أما دعاة التطبيع مع العدو الصهيوني ممن يطلقون على أنفسهم نخبة فهم يحاولون الترويج لأفكارهم الشاذة داخل بيئة شعبية عصية على الانحراف.


 ويحاول أنصار التطبيع مع العدو الصهيوني الخلط بين الاتفاقيات المزعومة التي وقعها بعض المسؤولين السياسيين في لحظة تاريخية ما, وبين التطبيع في العلاقات مع العدو, وهناك من يتطرف في تصوره ويعتبر معارضي عملية التطبيع خارجين عن الثوابت الوطنية, بل طالب الأكثر تطرفا منهم السلطة السياسية بضرورة محاكمة معارضي التطبيع, باعتبارهم مرتكبي جرائم وخارجين على القانون, في تصور خاطئ منهم بأن الاتفاقيات المبرمة مع العدو قد أصبحت ملزمة للشعب بحكم التصديق عليها من قبل المجلس النيابي, والذين يخلطون الأوراق لا يستطيعون التفرقة بين الاتفاقيات السياسية التي يعقدها المسؤولين السياسيين وبين عملية تطبيع العلاقات التي هى بالأساس ذات طابع شعبي بعيدة كل البعد عن الاتفاقيات السياسية وهذه العلاقات الانسانية التطبيعية لا يمكن لمخلوق أن يلزم الشعوب في علاقاتها وممارساتها اليومية بتطبيقها. 


فملابسات توقيع الاتفاقيات السياسية تؤكد دائما أنها وجهات نظر المسؤولين السياسيين الذين يوقعونها والتي يصرون عليها بغض النظر عن موقف شعوبهم منها, وعلى الرغم من أن الدساتير قد تنص على ضرورة الاستفتاء على مثل هذه الاتفاقيات أو موافقة المجلس النيابي عليها باعتباره ممثلا ووكيلا عن الشعب فإن إرادة من في السلطة غالبا ما تفرض في هذه الحالة, لكن تظل الاتفاقية ملزمة فقط لمؤسسات الدولة السياسية, أما عملية التطبيع والتي تشكل أحد بنود اتفاقيات السلام المزعومة مع العدو فترتبط بقرار الشعب نفسه, لذلك فهي ليست ملزمة للشعوب, فالعقل الجمعي الشعبي المصري والعربي قد استقر على أن العدو الصهيوني هو العدو الأول لأمتنا العربية ولا يمكن أن نقبل التطبيع معه رغم عقد اتفاقيات رسمية من قبل السلطة السياسية.


وتعد اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس السادات عام 1979 مع العدو الصهيوني خير شاهد وخير دليل, ففي أعقاب نصر أكتوبر 1973 ويمكن قبله بدأ الرئيس السادات في التفكير والتشاور والتفاوض مع الأمريكان والصهاينة للترتيب لإنهاء حالة العداء مع العدو الصهيوني على المستوى الرسمي, وجاءت أولى الخطوات العملية بالإعلان المذهل للرئيس السادات أمام البرلمان المصري في عام 1977 بعزمه على الذهاب إلى القدس والتحدث أمام الكنيست, وبعد خطابه بأيام قليلة تلقى الدعوة من حكومة العدو الصهيوني مرحبة بحرارة بالزيارة التي تمت في 9 نوفمبر 1977 وفي أعقابها بدأت محادثات السلام المزعومة التي انتهت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد بين الرئيس السادات ورئيس وزراء العدو الصهيوني مناحيم بيجن في 17 سبتمبر 1978 بعد مفاوضات سرية استمرت 12 يوما برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر, وفي 26 مارس 1979 تم التوقيع على معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية في واشنطن عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية.


وأثارت اتفاقية السلام المزعومة ردود فعل معارضة في مصر ومعظم الدول العربية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي, ففي مصر استقال وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل لمعارضته الاتفاقية وأطلق عليها " مذبحة التنازلات " وكتب في كتابه " السلام الضائع في اتفاقيات كامب ديفيد " الذي نشر في مطلع الثمانينيات أن " ما قبل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل ", وعلى الصعيد العربي عقد مؤتمر قمة رفضت فيها الاتفاقية واتخذت جامعة الدول العربية قراراً بنقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجاً على الاتفاقية المزعومة, وعلى المستوى الشعبي خرجت التظاهرات الرافضة في كل العواصم العربية بما فيها العاصمة المصرية, ورغم حالة الرفض الرسمي والشعبي استمر الرئيس السادات في طريق استكمال إجراءات الاتفاقية بما يتوافق مع الدستور المصري, حيث عرض الاتفاقية على البرلمان بعد 15 يوماً من توقيعها, وتصدى للمعاهدة 16 نائباً فقط وعلى الرغم من موافقة الأغلبية إلا أن صوت المعارضة كان مدوياً ومدعوماً شعبياً فاضطر في اليوم التالي لجلسة البرلمان 11 أبريل 1979 إعلان حل مجلس الشعب, وطرح المعاهدة للاستفتاء الشعبي طبقاً لنصوص الدستور, كما طرح حل المجلس للاستفتاء أيضاً, وجاءت النتيجة موافقة بالإجماع, وتمت دعوة الناخبين لانتخابات جديدة في يونيو 1979.


وعلى الرغم من تمرير الرئيس السادات للاتفاقية السياسية على المستوى الرسمي إلا أنه لم يتمكن من تمرير بند التطبيع لأنه يتعلق بالعقل والضمير الشعبي, لذلك لم تحاول السلطة السياسية في مصر على مدار ما يزيد عن الأربعة عقود كاملة فرض بند التطبيع على الشعب المصري, لإدراكها أن التطبيع ليس قراراً سياسياً كالاتفاقية المزعومة فالاتفاق السياسي لا يمكن أن يغير كراهية الشعب للعدو الصهيوني الملوثة أياديه بدماء شهداء الوطن, والمغتصب للأرض العربية والتي تقر الاتفاقيات المزعومة باستمراره في احتلالها, فالشعب يؤمن بأن معركته مع العدو معركة وجود وليس حدود كما يفهمها القادة السياسيين الذين يوقعون الاتفاقيات.


وخلال الأسبوع قبل الماضي تمت دعوتي للمشاركة في ندوة بواحدة من الجامعات المصرية العريقة وكان موضوعها عن مفهوم السلام في الفكر الفلسفي والاجتماعي بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة, وكانت المفاجأة أن تواجد معي على المنصة أحد أنصار التطبيع مع العدو الصهيوني, وحاولت الانسحاب قبل بدء اللقاء وحذرت منظمي الندوة من تطرق المدعو للسلام المزعوم مع العدو الصهيوني لكن الرجل الموتور الذي فشل في الحصول على درجة الأستاذية في تخصصه, والذي كان يدعو دائما لأفكار شاذة بين طلابه, وكان يجاهر بإلحاده ويفخر به, وعندما ذهب معارا للمملكة العربية السعودية كان يصلي بزملائه إماما لكي يستمر في وظيفته وكان يتباهى بأنه ضحك عليهم, وأخيرا ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي ليتفاخر بالتعاون مع مراكز أبحاث صهيونية, أصر أن يكون محور حديثه عن السلام المزعوم مع العدو الصهيوني وحتمية التطبيع معه ووصف الشعب الرافض للتطبيع بالجهل, ووصف المقاومين للتطبيع من المثقفين المصريين بأنهم عملاء للأنظمة السياسية المقاومة للتطبيع مع العدو الصهيوني, لذلك كان لابد من الرد عليه وبالفعل تم إخراسه, وعندما فشل في الرد ذهب لصفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ليكيل لنا الشتائم والسباب هو وعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من أنصار الخيانة والعمالة للعدو الصهيوني, وبالطبع لن تنجح مثل هذه الدعوات داخل أروقة الجامعات المصرية لأن جينات الشعب المصري عصية على التطبيع.  

 

 وهنا نعود لأنصار التطبيع محدودي العدد والقدرات العقلية داخل المجتمع المصري والعربي ونقول لهم كفى تزييفاً للوعي وخلطاً للأوراق فالاتفاقيات المزعومة ملزمة لمؤسسات الدولة السياسية, أما التطبيع فهو قرار شعبي بامتياز, وأي مسؤول سياسي حتى ولو كان رئيس الدولة قد يلتزم بالاتفاقيات الموقعة مع العدو مادام في موقعه السياسي, لكن حين يتحدث بوصفه مواطناً عادياً فسوف يرفض أي لقاء ولن يقبل بالتقاط صورة واحدة مع أحد أبناء العدو الصهيوني, اللهم بلغت اللهم فاشهد.             


بقلم/ د. محمد سيد أحمد