الأحد، 31 أغسطس، 2014

مديحة مجدى تكتب :الأمية .. فى حاجة إلى ثورة


الإبحار فى الحديث عن الأمية حديث ذو شجون .. لأن ما كان يحدث فى برامج محو الأمية شاب له الوجدان .. فهل نحن فى حاجة إلى ان نثور على أحد أضلاع الثالوث القاتل ؟ ثالوث الرعب الذى تخلصت منه الدول المتقدمة والواعدة .. والذى يجثم على صدر الدول النامية هو الجهل والفقر والمرض .. والعنصر الأول وهو الجهل وهو المسئول الأول عن العنصرين الآخرين .. فلولا الأمية بمعرفة ابسط الأمور كقراءة لافتة أو بضع كلمات فى برقية أتت لأحدهم أفقدته القدرة على مهارته فى عمله اليدوى الذى يمارسه .. بل وعلى الإبداع فى الأداء وعدم إستيعاب معنى الحفاظ على البيئة المحيطة ونظافتة الشخصية .. مما يترتب على كل ذلك الجهل والمرض .. والأدهى والأمر أن يفهم معنى الدستور أو حكومة ائتلافية أو دولة دستورية او رئاسية وغير ذلك من المسميات التى لا يعى منها شيئاً وبذلك اختلط الحابل بالنابل وتشعبت المشكلة إلى مشكلة قومية ..
فمشكلة محو الأمية بدأت منذ عام 1923 عقب ثورة 1919 واصدار دستور للبلاد .. ولكن وطوال الفترة منذ ذلك التاريخ إلى قيام ثورة يوليو 1952 قلما تحقق نجاح يذكر فى المناطق التى تشيع فيها الأمية ..
وقد حاولت الثورة القضاء على تلك الأمية البغيضة ولكن النجاح لم يحالفها أيضاً .. حتى أن الجدية فى القضاء على الأمية كانت واضحة ولكن أغلب ما كان يرصد من اجل ذلك كان يضيع هباءً فى الشكليات .. كما ان القائمين عليه لم يكونوا أكادميين وتلك كانت الطامة الكبرى ..
وأعلن الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك ان الأمية سيتم القضاء عليها بحلول عام 2001 وذلك حسب قانون 8 لعام 1991 ولكن ظلت الأمية جاثمة على سماء الوطن .. بل ومر اكثر من عقد من الزمان أى عشر سنوات على إعلان انتهاء الأمية فى مصر 2001 وتاتى ثورة يناير 2001 ولم يتحقق مما كان مأمولاً شيئاً .. فالأموال قد أهدرت والشعارات قد بليت والأمية على حالها ..

رقم مخيف ..
فاليونسكو تعلن فى عام 2008 ان الأمية فى مصر حوالى 29% وهذا الرقم يمثل حوالى ثلث سكان مصر وهذا أمر محزن .. إلا ان الحقيقة تفوق ذلك كثيراً .. والسؤال هو كيف نفشل فيما نجح فيه الآخرون ؟ ..
ان دولاً عديدة كانت مؤسساتها التعليمية وإمكانياتها أقل كثيراً من مصر ورغم ذلك تخلصت من تلك المشكلة البغيضة مما دفعها إلى التقدم والرقى والنهوض السريع مثل ماليزيا , كما ان دولاً عربية قد حققت قفزات فى هذا المجال مثل العراق وتونس .. ولماذا لم نأخذ بتجارب تلك الدول بل ونتفوق عليها ؟ فالخلاص من الأمية فى مصر يعنى الكثير ويحقق الكثير ..
وهناك مباردة لمحو امية سبعة عشر ملايين مصرى فى خمس سنوات .. اهمها مبادرة فودافون لتنمية المجتمع مع منظمة اليونسكو .. ولكن تلك المبادرة تتطلب تضافر المجتمع المدنى وتحقيق الغاية بصدق وجدية .. فلابد ان ندرس أهم أسباب الفشل التى واكبت مشروع محو الأمية منذ عهد الملك فؤاد 1923 إلى الآن حتى نتجنب العثرات من اجل إنجاح تلك المهمة القومية التى تساعد على النهوض بالمجتمع ..

اسباب الفشل ..
من اهم اسباب فشل محو الأمية هو عدم إستيعاب التعليم الأساسى لكل الأطفال فى تلك المرحلة العمرية .. كما ان الكثير من التسرب يجرى على مدار تلك الأعوام الأساسية للدراسة ليلتحق الطفل بما يسمى سوق العمل نتيجة للفقر الذى يضرب أطنابه فى مناطق محدودة وواسعة الإنتشار فى الوطن .. كما أن عمالة الأطفال ( والتى هى محرمة دولياً ) ناهيك على أن تلك العمالة هى معمل تفريغ لعمال جهلاء قليلى المعرفة .. مما يدفع إلى منتج ردئ يغرق السوق المحلى فما بالك بالسوق العالمى الذى يرغب فى الدقة والمهارة والإبداع مما يدفع الكثير من الإطفال إلى إمتهان التافه من الأعمال ..
كما أن عدم قيام كوادر أكاديمية بالهيمنة على تلك المهمة جعلها تفشل .. حيث يقوم عليها من هم ليسوا أهلاً لها لذلك نجد الشعارات كما هى فهم لا يفطنون إلى فشلهم وصرف أغلب ميزانيات تلك العملية على المكافآت والمظهر الخادع .. حتى وإن نجحت تلك التجربة فى بعض القرى والأماكن الفقيرة نجد ( الردة ) هى السمة الغالبة بعد ذلك ..
فمثلاً حينما نجد أن شخصاً أو فتاة قد تخلص من أمته تمر الأيام دون أن يقرأ أو تطالع الفتاة شيئاً .. فكثيراً من القرى لا تدخل مجرد صحيفة يومية مثلاً إليها وبذلك يرتد من محت أميته إلى ما كان عليه .. وهذا ما تنبهت إليه تونس مثلاً فعملت على إقامة نواد ثقافية خاصة لمن تعلم من أجل إستكمال ثقافته وعقد ورش عمل بتلك النوادى من أجل تنمية قدراته بل وإنماء مهاراته المهنية .. وهذا لم يحدث فى مصر !! ..
ومن الغريب أن يكون اليابانى مثلاً أمياً إذ لم يتعلم الكمبيوتر والإنسان المصرى لا يستطيع أن يتعرف على مجرد أسمه أو أسم أبيه ..ومحو الأمية لا يعنى أن نحاول أن نمحو أميته ثم نجعله يرتد بعد ذلك بل نحاول أن نتواصل معه .. ومن الغريب أن هناك مجلساً قومياً لمحو الأمية لا يهتم بمن تخلص من أميته .. فى حين أن تونس تحتفل فى سبتمبر من كل عام بهؤلاء الخريجين وتوضح ما وصل إليه الكثير منهم فى العمل والتفوق .. بدلاً من أن يرتد ويصبح كماً مهملاً .. وأمثلة عديدة وجهوداً تبذل من أجل مهرجان السينما ومهرجان للتليفزيون ومهرجان لكذا .. وكذا .. وليس هناك مجرد إحتفالية سنوية واحدة من أجل هؤلاء .. فالمسؤلون لا يريدون متابعتهم ولا تنمية قدراتهم وهذا فى الغالب ما يحدث ..
كما أن محو أمية الفرد فى مصر أقل بكثير من التكلفة فى العالم أجمع .. بل ومتدنية للغاية فهى لا تزيد عن 161 جنيهاً فقط .. فبالله عليك هل هذا المبلغ سيحول مواطناً مصرياً من الأمية والجهالة إلى مواطن يجيد مجرد القراءة والكتابة ؟!..
ناهيك عن المجتمع المدنى بكل جمعياته ومؤسساته وأحزابه التى تتصارع من أجل مناصبها الحزبية والسياسية ومحو أمية ملايين من الشعب لا تمثل لهم أهمية تذكر ..وكثيراً من دول العالم نهضت بفضل هذا المجتمع الذى يفترض أن يكون مدنياً بحق ..

وبعد ..
علنا عزيزى القارئ قد تعرفنا من خلال تلك الدراسة على بعض الأمور التى تعيق مسيرة من أهم مسيرات الوطن من أجل النهوض بأبنائه الذين حرموا من أهم متطلبات الحياة .. كما قال عميد الأدب العربى د. طه حسين أن التعليم كالماء والهواء ..

الروائية .. مديحة مجدى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق