السبت، 5 أكتوبر، 2013

إسرائيل تراوغ لتضـليـل العالـــم وإبعاده عن الاحتكام للقانون الدولي

مستغلة سلبية الفلسطينيين في استثمار الانتصارات السياسية الناجمة عن إنصاف القانون لقضيتهم وحقوقهم الإنسانية



خلال سنوات مهمتي كمقرر خاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين غالبا ما كنت اصطدم بمحاولات إسرائيل التي لا تنتهي واعتباراتها الخاصة بالمجتمع المدني لتحويل الأنظار والاهتمام عن الأوضاع الإنسانية الصعبة والحرجة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة . كما كنت أحاول على الدوام عقد مقارنة بين واقع حقوق الإنسان في كل من فلسطين وإسرائيل من منظور القانون الدولي ، ولاحظت أيضا أن كثيرين ممن يمثلون الفلسطينيين يتخاذلون أو يعجزون عن الاستفادة من الفرص التي تتاح لهم لاستخدام آليات الأمم المتحدة واداتها لتحدي إسرائيل وادانه سياساتها وتعريتها أمام القانون الدولي والأخلاقيات وقيمها .


وعلى الرغم من القانون الدولي واضح كل الوضوح وبقوة في دعمه واقراره للحقوق الفلسطينية في مختلف المسائل المتصلة بقضيتهم من اللاجئين والمستوطنات واللاجئين والحدود والقدس والموارد المائية والطبيعية والحقوق الإنسانية ، وحق اقامة الدولة الا أن التراجع الفلسطيني عن الاستفادة من الاليات والفرص المتاحة لاستعادة تلك الحقوق الفلسطينية امر محير اكثر من اساليب المناورة والمراوغة التي لا تكف اسرائيل عنها لتضليل العالم وابعاده عن الاحتكام للقانون الدولي
ولم تؤد سلبية الفلسطينيين في استثمار الانتصارات السياسية والدبلوماسية الناجمة عن انصاف القانون الدولي لهم إلى اي تغيير في واقع الحال على الارض او في تصرفات اسرائيل التي لم تتوقف عن تضليل الفلسطينيين والعرب والعالم ، ولا أظن ان شيئا ما ستغير حتى ولو بذل الفلسطينيون كل ما في وسعهم .
وعلى الجانب الإسرائيلي، فان تحويل الاهتمام عن المطالبات القانونية والشرعية وكتمها ، أمر مفهوم تماما كطريقة للالتفاف على التحديات من جانب الطرف المعادي ومصادره التي تسعى إلى ابراز ضعف الموقف الاسرائيلي حيث يصر الاسرائيليون على انه اذا كان هناك حل للصراع فلا بد وان يكون مرتكزا على حقائق الامر الواقع على الارض سواء كانت هذه الحقائق قانونية ام لا . كما انها تبدو لعبة قاسية للغاية حيث يتم تصوير الطرف الاضعف على انه غير المنطقي وانه الطرف الذي يعرقل سير المفاوضات ومحاولات التوصل إلى اتفاق لمجرد عدم قبوله ما يحاول الطرف القوى عرضه او فرضه وهو غالبا ما يكون قليلا وضارا ، كما يسعى الطرف الاقوى إلى استغلال فترات الاستراحة والتوقف بين جولات المفاوضات لتمرير مزاعمه غير القانونية والتي لا تستند إلى أي اساس شرعي مستفيدا استبعاد احكام القانون الدولي كمرجعية للمفاوضات وصرف اهتمام العالم بهذا الامر .
ونتيجة لمثل هذه المفاوضات تبرز مخاوف ضارة اهمها انحراف السياسة وتناقضات في جوانب سلوكي كثيرة ولا سيما حينما يكون هناك تفاوت في القوة والاوضاع المادية . فاسرائيل لم تتخل ولن تتخلى عن محاولاتها الرامية إلى تحقيق اهدافها المحددة في فلسطين التاريخية كلها مستخدمة بعض الآليات الفعالة في ممارسة الانحراف والتضليل السياسي واهمها:
معاداة السامية :
وهو من اكثر السلوكيات المثيرة للاضطراب والشكوك التي تصر عليها اسرائيل ومؤيدوها لتحويل الانتباه عن جوانب جوهرية مهمة من الصراع والتغطية على ممارساتها الوحشية وغير القانونية كقوة احتلال وتوظيف مناهض السامية لتفادي تعرضها للانتقاد واتهام كل من يوجه لها انتقادا بانه معاد للسامية . ولم تتورع شيطانية السلوك الاسرائيلي عن مهاجمة شخصيات عالمية مرموقة واتهامها بمعاداة السامية مثل الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر والقس الجنوب افريقي ديزموند تونو لكي تدفع الثمن باهظا عن مواقف سياسية تنتقدها وتنصف الفلسطينيين. ولا يتوقف سلوك اسرائيل باتهام كل من ينتقدها بمعاداة السامية عند هذا الحد بل يمتد ايضا إلى من ينتقدون سياساتها وممارساتها ويرفضون فلسفة الصهيونية من اليهود انفسهم مثل الاكاديمي والمفكر نورمان فينكلشتاين حيث توصيفهم جاهز سلفا وهو « انهم كارهي انفسهم من اليهود » . ولا يمكن لقوة نفوذ الصهيوينة وتاثيرها ان تصادر او تلغي يهودية أي يهودي مثل ريتشارد غولدستون حتى وإن تم ارغامه على التراجع عن مضمون تقريره الذي ادان فيه جرائم الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة في هجوم الرصاص المصبوب حيث عملت القيادة السياسية في اسرائيل على استغلال ذلك التراجع بصورة بشعة إلى حد محاولة دفن التقرير بأكمله وهنا تتجلى واحدة من اوضح صور الانحراف السياسي الذي تمارسه اسرائيل
الرعاية :
وتعني اختيار اشخاص او جهات تتميز بالانحياز لاسرائيل والصهيونية في رعاية احداث ومناسبات للدفاع عن اسرائيل امام المنظمات والهيئات الدولية والدعاية والترويج لها من خلال تزوير الحقائق والوقائع وتجاهلها ومحاولة طمسها وتساعدها بشكل كبير في هذا الامر الولايات المتحدة ولا سيما في مواجه الامم المتحدة والمنظمات والاجهزة التابعة لها ويصل هذا التأييد الاميركي إلى ما هو ابعد مما نتصوره ولا سيما في مجلس حقوق الانسان والجمعية العامة حيث النفوذ الاميركي يتسم بالمحدودية في مواجهة سيل الادانات والانتقادات اللاذعة سياسات اسرائيل . ويدرك المسؤولون الاميركيون ان انتقادهم لسجلات الكثير من دول العالم في حقوق الانسان والتزامهم الصمت عن ممارسات اسرائيل ضد الفلسطينيين وانتهاكاتها الخطيرة لحقوقهم الاساسية الانسانية انما هو نفاق ووكيل بمكاييل ومعايير مزدوجة ولكنهم يمارسونه
الفلسطينيون لا يستثمرون القانون الدولي
يدفع اصرار اسرائيل على استبعاد القانون الدولي كمرجعية لحل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وصرف اهتمام العالم عنه كثيرين إلى التساؤل : لماذا هذا الاصرار على استبعاد القانون الدولي ؟ وبالطبع فان الممثلين الفلسطينيين في المؤسسات والهيئات الدولية يدركون جيدا فرص الاستفادة من القانون الدولي ويقولون انهم يعطون هذا الامر اولوية قصوى ولكنهم في واقع الحال يتصرفون بكثير من السلبية والضعف في كثير من المواقف والمناسبات ومنها على سبيل المثال محاولة تنفيذ قرار المحكمة الدولية الذين يدين بجلاء لا لبس فيه بناء اسرائيل جدا الفصل العنصري على حساب اراضي الضفة الغربية والذي تسبب مساره في كوارث اجتماعية واقتصادية وانسانية للشعب الفلسطيني ، وكذلك تنفيذ التوصيات الواردة في تقرير بعثة غولدستون التي حققت في جرائم الحرب الاسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين خلال هجومها على قطاع غزة في الايام الاخيرة من 2008 والايام الاولى من 2009
مفاوضات بلا أمل
تجسد المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي استؤنفت مؤخرا فكرة الابتعاد عن القانون الدولي واعرافه بكل وضوح وبساطة فهذه المفاوضات ليست لها رعاية دولية وانما تتم برعاية الولايات المتحدة ووساطتها لتبدو الصورة كما لو أن الفلسطينيين هم تلاميذ المدرسة الصغار الخائفين الذين يتعرضون للتهديد والوعيد وليس امامهم من خيار الا الطاعة والانقياد بخوف بينما تصول الثيران القوية وتجول وتفرض قوانينها في ساحة المدرسة . وغالبا ما يؤدي هذا النوع من المفاوضات إلى افراغ العملية الدبلوماسية من مضمونها لتبدو بلا اي امل ولتكون النتائج المادية والنهائية لصالح الطرف الاقوى الذي يستفيد من استبعاد القانون الدولي وأحكامه ومرجعياته ولتستمر اسرائيل في ابتلاع المزيد من الاراضي وسرقة الموارد ما يعني ان من المستحيل ان نتصور أن مثل هذه المفاوضات وفي مثل هذه الظروف والأحكام يمكن ان تثمر اي سلام حقيقي
سلوك خبيث
يتسم اصرار اسرائيل على محاسبة كل من ينتقدها واتهامه بمناهضة السامية بكثير من الخبث لأنه أولا يحدث تأثيرا كبيرا لان معاداة السامية اصبحت بعد الحرب العالمية الثانية من المحرمات والخطوط الحمراء التي يتم تجريمها فورا ولانه ثانيا يسهـّل الوصول بالعقاب او التقريع إلى كل من يتجرأ على انتقاد اسرائيل وسياساتها التي يسيّرها شيطان العنصرية والانغلاق وثقافة التعصب والكراهية في سلوكياتها المتغطرسة مع الفلسطينيين والتي تدينها القوانين الدولية واعرافها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق